الثروة الحيوانية في تشاد بين حماية الحياة البرية وحماية المراعي وممرات الترحال

تقرير تحليلي حول المحميات والرعي التقليدي والاستثمارات والشراكات في إدارة الموارد الطبيعية

 

▪︎ رخيص علي شحاد

مقدمة

الحديث عن الاستثمار في الثروة الحيوانية في تشاد لا يمكن فصله عن قضية الأرض والمراعي والمياه وممرات الترحال، كما لا يمكن مناقشة مستقبل هذا القطاع بمعزل عن واقع الرعي التقليدي الذي ظل لعقود طويلة مصدرًا أساسيًا للعيش بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع التشادي.

فالثروة الحيوانية ليست مجرد نشاط اقتصادي عابر، ولا مجرد مهنة يمارسها بعض السكان؛ بل هي جزء من البنية الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية للبلاد، وعنصر أساسي في حياة المجتمعات الريفية والرعوية، وفي الأمن الغذائي والتجارة الداخلية والخارجية.

كما أن تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالزراعة والثروة الحيوانية يمثل، وفق تحليلات البنك الدولي، فرصة مهمة لتنويع الاقتصاد التشادي وتحسين الأمن الغذائي والنمو على المدى الطويل.

ومن هنا تبرز مسألة تستحق نقاشًا وطنيًا هادئًا ومسؤولًا:

هل يمكن حماية الحياة البرية والمحميات الطبيعية دون أن يؤدي ذلك إلى تضييق غير مدروس على المراعي وممرات الترحال التي تعتمد عليها الثروة الحيوانية والمجتمعات الرعوية؟

هذا السؤال لا يستهدف حماية الحياة البرية، ولا يعارض الاستثمار في المحميات من حيث المبدأ، وإنما يطالب بإعادة النظر في كيفية إدارة المساحات الطبيعية بما يحقق التوازن بين حماية التنوع البيئي، واستمرار الرعي التقليدي، وحماية حقوق المجتمعات المحلية، وتحقيق المصلحة الاقتصادية الوطنية.

أولًا: طبيعة الثروة الحيوانية في تشاد:

تختلف طبيعة الرعي في تشاد عن كثير من أنظمة تربية المواشي القائمة على الاستقرار داخل مزارع أو حظائر محدودة المساحة.

فالرعي التشادي التقليدي، في المناطق الوسطى والشمالية والشرقية والجنوبية والغربية للبلاد، يقوم في جزء كبير منه على الترحال الموسمي بحثًا عن المياه والمراعي والبيئة المناسبة للحيوانات.

والراعي لا يتحرك لمسافة قصيرة ثم يعود إلى مكانه، وإنما قد يقطع مسافات طويلة خلال العام، في حركة مرتبطة بمواسم الأمطار والجفاف، وبمواقع المياه والكلأ.

وهذه الحركة ليست عشوائية، وإنما تعتمد في كثير من المناطق على مراحيل وممرات معروفة تاريخيًا توارثتها الأجيال، تتحرك عبرها الأسر والمجموعات الرعوية مع قطعانها وفق نظام موسمي فرضته طبيعة البيئة التشادية.

ففي مواسم معينة تتحرك قطعان الماشية نحو المناطق التي تتوفر فيها المياه والمراعي، ثم تعود في مواسم أخرى إلى مناطقها الأصلية أو إلى مناطق أخرى أكثر ملاءمة، وذلك لتوفير الغذاء والمياه والحفاظ على صحة الحيوانات وتجنب بعض الظروف البيئية والأمراض والحشرات الضارة.

وبالتالي فإن إغلاق ممر ترحال واحد أو تضييق مساحة رعوية قد لا يعني فقدان مساحة صغيرة فقط، وإنما قد يؤدي إلى إجبار القطعان على تغيير مساراتها لمسافات طويلة، وما يترتب على ذلك من تكلفة وجهد ومخاطر إضافية.

ثانيًا: لماذا تعتبر حماية المراعي وممرات الترحال مسألة اقتصادية وطنية؟

عندما نتحدث عن المراعي وممرات الترحال، فنحن لا نتحدث فقط عن مصالح الرعاة، بل عن منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تشمل:

– اللحوم والألبان ومشتقاتها.

– التجارة الداخلية والخارجية في المواشي.

– الأسواق المحلية والإقليمية.

– وسائل النقل والتجار والوسطاء.

– الخدمات البيطرية.

– فرص العمل المرتبطة بالثروة الحيوانية.

– الأمن الغذائي.

– دخل الأسر الريفية والرعوية.

– الصناعات والأنشطة المرتبطة بالجلود واللحوم والألبان.

– مورد اقتصادي يمكن أن يساعد تشاد على تنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد الكبير على النفط.

وتؤكد برامج البنك الدولي في منطقة الساحل أن حماية الأنظمة الرعوية تتطلب إدارة الموارد الطبيعية، وتأمين الوصول إلى المياه والمراعي، وحماية ممرات الترحال، وتحسين الخدمات البيطرية والأسواق، باعتبار هذه العناصر مترابطة في استدامة الاقتصاد الرعوي.

وعليه، فإن المحافظة على المراعي وممرات الترحال ليست خدمة لفئة اجتماعية بعينها، بل هي استثمار مباشر في الاقتصاد الوطني وفي الاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي.

ثالثًا: المشكلة ليست في المحميات من حيث المبدأ

من المهم أن يكون النقاش منصفًا.

لا يمكن القول إن حماية الحيوانات البرية أمر غير مهم؛ فالحياة البرية جزء من البيئة والثروة الطبيعية للبلاد، ويمكن أن تكون مصدرًا للسياحة والدخل والاستثمار إذا أُديرت بصورة جيدة ومستدامة.

وتوجد في تشاد شبكة من المناطق المحمية تشمل حدائق وطنية ومحميات للحياة البرية، من بينها:

– Parc National de Zakouma — الحديقة الوطنية لزاكوما

– Parc National de Manda — الحديقة الوطنية لماندا

– Parc National de Sena Oura — الحديقة الوطنية لسينا أورا

– Parc National de Siniaka-Minia — الحديقة الوطنية لسينيكا-مينيا

وقد أصبحت سينيكا-مينيا حديقة وطنية رسميًا في عام 2024، بعد أن كانت محمية للحياة البرية، وأصبحت جزءًا من منظومة أوسع مرتبطة بالنظام البيئي لزاكوما.

كما توجد محميات للحياة البرية، من أبرزها:

– Réserve de Faune de Ouadi Rimé-Ouadi Achim — محمية وادي ريما–وادي هشيم

– Réserve de Faune d’Abou Telfane — محمية أبو تلفان

– Réserve de Faune de Binder-Léré — محمية بيندر-ليري

– Réserve de Faune de Mandelia — محمية ماندليا

– Réserve de Faune de Bahr Salamat — محمية بحر سلامات

– Réserve de Faune de Fada-Archei — محمية فادا-آرشي

ومن المهم في هذا السياق عدم النظر إلى جميع المناطق المحمية باعتبارها نمطًا واحدًا من حيث الوضع القانوني أو الإدارة أو العلاقة بالمجتمعات المحلية؛ فهناك اختلاف بين الحديقة الوطنية، ومحمية الحياة البرية، والمحمية الطبيعية والثقافية، والمناطق ذات الإدارة المشتركة، وغيرها من التصنيفات.

كما أن بعض المناطق المحمية واسعة جدًا وتتداخل فيها اعتبارات حماية الحياة البرية مع وجود السكان والرعي التقليدي.

وتُعد محمية وادي ريما–وادي هشيم مثالًا مهمًا على ذلك؛ فهي من أكبر المناطق المحمية في تشاد، وفي الوقت نفسه ترتبط بها أنشطة رعوية واسعة، ويعتمد عليها عدد كبير من الرعاة والرحل في الوصول إلى الموارد الطبيعية.

وهنا تظهر أهمية إدارة المحميات بطريقة لا تفترض أن الإنسان والرعي والحياة البرية عناصر متعارضة بالضرورة.

رابعًا: ملكية الأرض تختلف عن إدارة المحمية؛

من الضروري التفريق بين ملكية الأرض وبين إدارة المحمية أو الدخول في شراكة لإدارتها.

ففي حالة الحديقة الوطنية لزاكوما، أنشأت الدولة التشادية الحديقة، ودخلت الحكومة في شراكة طويلة الأمد مع منظمة African Parks لإدارة الحديقة وحماية الحياة البرية وتنفيذ برامج مرتبطة بالمجتمعات المحلية.

وفي يوليو 2026 جرى تجديد اتفاقيات شراكة طويلة الأمد بين الحكومة التشادية وAfrican Parks بشأن إدارة عدد من المناطق المحمية، من بينها زاكوما وسينيكا-مينيا ومحمية إنيدي الطبيعية والثقافية.

وهذا، من الناحية القانونية والإدارية، لا يعني تلقائيًا انتقال ملكية الأرض إلى المنظمة الأجنبية أو الخاصة.

لكن في الوقت نفسه، فإن وجود شراكة طويلة الأمد في إدارة منطقة طبيعية واسعة يجعلنا نتساءل حول:

– طبيعة الاتفاقية.

– مدة الاتفاقية.

– حدود الصلاحيات.

– الالتزامات المالية.

– مصادر التمويل.

– آليات الرقابة.

– حقوق المجتمعات المحلية.

– آليات مراجعة الاتفاقية.

– أثرها على استخدام الموارد الطبيعية.

– والجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية أمام المواطن.

وهذه الأسئلة لا تعني اتهام الشريك الأجنبي، وإنما تعني المطالبة بالشفافية في إدارة مورد وطني.

خامسًا: تجربة زاكوما وعلاقة حماية الحياة البرية بالحركة الرعوية؛

تُعد منطقة زاكوما من أكثر الأمثلة التي تستحق الدراسة.

فالحديقة والنظام البيئي المحيط بها يمثلان منطقة غنية بالحياة البرية، وقد شهدت خلال السنوات الماضية جهودًا كبيرة في مكافحة الصيد غير المشروع وحماية الأنواع البرية وإعادة تأهيل النظام البيئي.

وفي المقابل، توجد حولها مجتمعات مستقرة وأخرى رعوية تعتمد على الحركة الموسمية بحثًا عن الماء والكلأ.

ومن هنا فإن نجاح حماية الحياة البرية لا ينبغي أن يقاس فقط بزيادة أعداد الحيوانات البرية، وإنما أيضًا بقدرة إدارة المنطقة على التعامل مع السكان والرعاة ومستخدمي الموارد الطبيعية بطريقة واضحة وعادلة ومستدامة.

فإذا كانت المنطقة المحمية محدودة وواضحة المعالم، يستطيع الرعاة التخطيط لمساراتهم وتجنبها، حتى وإن كان ذلك يتطلب جهدًا إضافيًا.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتوسع المناطق المحمية أو تتداخل حدودها مع المراعي القديمة وممرات الترحال، دون أن تكون هناك بدائل واضحة ومضمونة للرعاة.

وهنا يتحول الأمر من مجرد حماية للحياة البرية إلى إعادة رسم جغرافيا الحركة الرعوية.

وإذا اضطر الراعي إلى الابتعاد مسافات كبيرة عن مساره المعتاد، فقد تترتب على ذلك:

– زيادة مدة الرحلة.

– استهلاك أكبر للمياه.

– زيادة الضغط على المراعي البديلة.

– احتمال الاحتكاك بمجموعات رعوية أخرى.

– زيادة احتمالات النزاع مع المزارعين.

– إجهاد الحيوانات.

– ارتفاع تكاليف الرعي.

– زيادة المخاطر الصحية على القطعان واصحابها.

وتؤكد التجارب والبرامج الإقليمية في الساحل أن الجفاف وتغير المناخ وتراجع الموارد وتضييق الحركة الرعوية يمكن أن تزيد الضغوط على المجتمعات الرعوية وتفاقم التوتر حول الموارد.

سادسًا: من يتحمل مسؤولية التوازن؟

هنا تأتي مسؤولية الدولة التشادية.

إذا كانت الدولة ترى أن حماية الحياة البرية تمثل مصلحة وطنية، فهذا أمر يمكن تفهمه.

وإذا كانت ترى في الشراكات الدولية فرصة لجذب التمويل والخبرة والسياحة ودعم حماية التنوع البيئي، فمن حقها أن تبحث عن ذلك.

لكن في المقابل، فإن الدولة مسؤولة أيضًا عن حماية مصالح المواطنين الذين يعتمدون على الثروة الحيوانية، وعن ضمان استمرار المراعي وممرات الترحال ومصادر المياه.

ولا ينبغي أن تكون المعادلة:

حماية الحيوان البري مقابل التضحية بالحيوان الأهلي.

فالاثنان يمثلان ثروة وطنية، لكن لكل منهما احتياجاته ومساحاته وآليات إدارته.

والتحدي الحقيقي أمام الدولة هو بناء نظام إدارة يضمن أن حماية أحدهما لا تتم على حساب الآخر دون دراسة أو بدائل.

سابعًا: ماذا عن الاستثمارات والشراكات الأجنبية؟

هنا نحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية.

من الضروري أن يعرف المواطن التشادي:

– ما طبيعة الاتفاقيات المبرمة بشأن المحميات؟

– ما الوضع القانوني للأرض داخل كل منطقة محمية؟

– من يملك الأرض قانونيًا؟

– من يديرها؟

– ما مدة الاتفاقيات؟

– هل تغيرت حدود المناطق المحمية بمرور الزمن؟

– ما حقوق المجتمعات المحلية؟

– ما المقابل المالي أو التنموي الذي تحصل عليه الدولة؟

– ما حجم التمويل والاستثمار المخصص للحماية؟

– ما نصيب المجتمعات المحيطة من هذه الاستثمارات؟

– ما الإجراءات المتخذة لضمان استمرار ممرات الترحال والمراعي؟

– وما آليات الرقابة والمراجعة والتقييم؟

والأهم أن يتم التفريق بين ملكية الأرض وإدارة المحمية أو الشراكة في إدارتها، حتى لا تختلط المفاهيم القانونية والسيادية.

وفي حالة زاكوما، فإن المصادر المتاحة توثق شراكة طويلة الأمد بين الحكومة التشادية وAfrican Parks في إدارة الحديقة والنظام البيئي المرتبط بها، وهو أمر يختلف عن القول إن ملكية الحديقة انتقلت إلى جهة أجنبية.

لكن حتى في غياب إثبات انتقال الملكية، يبقى من حق المواطن أن يسأل عن طبيعة الشراكات الأجنبية، وحدودها، وشروطها، وآثارها على الأراضي والموارد وحقوق السكان.

فالشفافية لا تعني التشكيك في الشريك، وإنما تعني تمكين المواطن من معرفة كيفية إدارة الموارد الوطنية.

ثامنًا: هل حماية الحياة البرية يمكن أن تكون استثمارًا للشعب؟

نعم، من حيث المبدأ.

لكن الاستثمار الحقيقي لا يقاس بعدد الحيوانات البرية التي تم إنقاذها فقط، وإنما أيضًا بما يعود على المجتمع والدولة من فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية.

إذا كانت المحمية تجذب السياح، فينبغي أن تستفيد المجتمعات المحلية من السياحة.

وإذا كانت توفر فرص العمل، فينبغي أن يكون أبناء المناطق المحيطة جزءًا من هذه الفرص.

وإذا كانت تحصل على تمويل دولي، فينبغي أن يكون هناك قدر مناسب من الشفافية حول أوجه استخدامه.

وإذا كانت المحمية تحتاج إلى مساحة واسعة، فيجب أن تكون هناك دراسة واضحة لأثر ذلك على الرعاة والمزارعين وممرات الترحال.

وبالمثل، فإن الاستثمار في الثروة الحيوانية يجب ألا يعني إهمال البيئة أو القضاء على الحياة البرية(الحيوانات البرية الغير أليفة).

المطلوب هو توازن حقيقي بين:

الثروة الحيوانية — الحياة البرية — الإنسان — البيئة — الاقتصاد الوطني.

تاسعًا: ما الذي يمكن أن تفعله الحكومة التشادية؟

هناك عدة خطوات يمكن أن تشكل بداية عملية:

  1. مراجعة حدود المناطق المحمي

ينبغي مراجعة الخرائط الحالية للمحميات ومقارنتها بالمسارات الرعوية التاريخية، لتحديد نقاط التداخل ومواطن الضرر.

  1. تثبيت ممرات الترحال

ينبغي تحديد ممرات الترحال الرئيسية قانونيًا وحمايتها، مع توفير نقاط المياه والخدمات البيطرية والأسواق والخدمات الأساسية على طول المسارات المهمة.

وتؤكد التجارب الإقليمية، ومنها برامج دعم الرعي في الساحل، أهمية تأمين ممرات الترحال وتحسين الوصول إلى المياه وإدارة الموارد الطبيعية بصورة تشاركية.

  1. إنشاء مناطق عازلة عند الحاجة

يمكن، بحسب طبيعة كل منطقة، إنشاء مناطق عازلة أو ترتيبات انتقالية بين المحميات والممرات الرعوية والمناطق الزراعية، بما يقلل الاحتكاك ويحافظ على مصالح الجميع.

  1. إشراك الرعاة في إدارة الموارد

لا يمكن إدارة أرض رعوية من مكتب في العاصمة أنجمينا دون الاستماع إلى الأشخاص الذين يتحركون فيها منذ أجيال.

ينبغي أن يكون للرعاة وممثلي المجتمعات المحلية دور حقيقي في رسم الخرائط وتحديد الممرات ومناقشة التغييرات.

  1. إجراء تقييمات للأثر الاجتماعي والاقتصادي

قبل توسيع منطقة محمية أو تغيير حدودها أو فرض قيود جديدة على استخدامها، ينبغي تقييم آثار القرار على الرعاة والمزارعين والمجتمعات المحلية، بما في ذلك أثره على المياه والمراعي والحركة الموسمية.

  1. مراجعة الاتفاقيات والشراكات

أي اتفاقية طويلة الأمد تتعلق بالمحميات أو الموارد الطبيعية ينبغي أن تكون واضحة وقابلة للتقييم والمراجعة وفقًا للقانون والمصلحة الوطنية، خصوصًا إذا تغيرت الظروف أو ظهرت آثار لم تكن واضحة عند توقيعها.

  1. نشر المعلومات للرأي العام

من حق المواطن أن يعرف، في الحدود التي يسمح بها القانون، طبيعة الاتفاقيات الموقعة حول الموارد الطبيعية، ومدتها، والتزامات الأطراف، وآليات الرقابة، والفوائد التي تعود على الدولة والمجتمعات.

عاشرًا: لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى صراع عرقي أو قبلي..هذه القضية أكبر من القبيلة والعرق والانتماء الجغرافي.

الرعي في تشاد ظاهرة وطنية، والثروة الحيوانية ثروة وطنية.

كما أن حماية الحياة البرية مصلحة وطنية.

لذلك ينبغي ألا تُستخدم المحميات أو المراعي أو ممرات الترحال لتكريس التمييز بين السكان على أساس عرقي أو قبلي.

المطلوب هو دولة تنظر إلى المواطن باعتباره مواطنًا، وإلى الموارد باعتبارها موردًا عامًا يخضع للقانون، وإلى الأراضي باعتبارها جزءًا من منظومة اقتصادية وبيئية يجب إدارتها بعدالة.

كما ينبغي أن تكون حقوق المجتمعات المحلية قائمة على قواعد واضحة، لا على الانتماء القبلي أو قوة النفوذ.

الحادي عشر: السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم

بعد عقود من الاستقلال، ينبغي أن نعيد طرح سؤال بسيط لكنه مهم:

كيف يمكن أن نحقق أكبر منفعة مستدامة للشعب التشادي من موارده الطبيعية؟

هل نحمي الحياة البرية مع ضمان استمرار الحركة الرعوية؟

هل نعيد رسم بعض حدود المحميات بحيث لا تتعارض مع الممرات الرئيسية؟

هل نحدد مناطق ذات استخدامات متعددة تسمح بالتعايش المنظم بين الإنسان والحياة البرية؟

أم نبحث عن نموذج تشاركي تستفيد منه الدولة والمجتمعات المحلية والرعاة والسياحة والحياة البرية في الوقت نفسه؟

إن التجارب الإقليمية تظهر أن حماية المراعي وتأمين ممرات الترحال ليست قضية ثانوية؛ فبرامج دعم الرعي في الساحل تستثمر في المياه والمراعي والأسواق والصحة الحيوانية وممرات الحركة باعتبارها عناصر مترابطة لاستدامة الاقتصاد الرعوي.

كما أن بعض التجارب في إدارة المناطق المحمية في تشاد نفسها تُظهر إمكانية الجمع بين حماية الحياة البرية والعمل مع المجتمعات المحلية، وهو ما ينبغي تطويره وتقييمه بصورة مستمرة.

الخلاصة

إن الدفاع عن المراعي وممرات الترحال لا يعني رفض حماية الحيوانات البرية.

كما أن حماية المحميات لا ينبغي أن تعني التضحية بالثروة الحيوانية.

كلاهما ثروة وطنية، وكلاهما يحتاج إلى سياسة متوازنة.

لكن عندما تصبح مساحة الرعي أضيق، أو تُغلق الممرات التقليدية، أو تتوسع المناطق المحمية دون توفير بدائل مناسبة، فإن الخاسر في النهاية ليس الراعي وحده، وإنما الاقتصاد التشادي والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والثروة الحيوانية نفسها.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء المحميات، وإنما إعادة النظر في سياسات إدارتها وحدودها وآثارها على المجتمعات الرعوية، ومراجعة الاتفاقيات والشراكات المتعلقة بالأرض والموارد الطبيعية وفقًا للقانون والمصلحة الوطنية والشفافية.

كما ينبغي أن تكون هناك آليات واضحة لقياس ما تستفيده الدولة والمجتمعات المحلية من الاستثمارات والشراكات في مجال حماية الحياة البرية، وما إذا كانت هذه الفوائد تتناسب مع الالتزامات والمساحات والموارد التي تتم إدارتها.

والأهم أن يتم ذلك بعيدًا عن الأيديولوجيات التمييزية، وبعيدًا عن الحسابات العرقية والقبلية، وبعيدًا عن أي اعتبار يجعل مصلحة طرف أو جهة أو منظمة أجنبية مقدمة على مصلحة المواطن التشادي.

فالثروة الحيوانية ثروة وطنية، والمراعي وممرات الترحال جزء أساسي من بنيتها، والحياة البرية كذلك ثروة وطنية.

والمطلوب ليس الاختيار بينهما، بل إيجاد سياسة تجعل الإنسان والحيوان والبيئة والاقتصاد الوطني يستفيدون معًا.

  • الجهات المعنية التي يمكن أن يُوجَّه إليها التقرير

يمكن أن يصل هذا التقرير، بحسب طبيعة كل جهة، إلى:

– الجهات الحكومية المختصة بالبيئة وحماية الحياة البرية.

– الجهات الحكومية المختصة بالثروة الحيوانية والتنمية الرعوية.

– وزارة المالية والاقتصاد والتخطيط.

– الجهات المعنية بإدارة الأراضي والموارد الطبيعية.

– المنظمات الوطنية والدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان.

– المنظمات والهيئات المتخصصة في حماية الحياة البرية والبيئة.

– المنظمات العاملة في دعم الرعي والتنمية الريفية.

– شيوخ ونظار وممثلي المجتمعات الرعوية والمحلية.

– الباحثين والجامعات ومراكز الدراسات المهتمة بالموارد الطبيعية والاقتصاد الرعوي.

-ناشط سياسي وحقوقي تشادي

▪︎ البريد الاكتروني: Rakhis.ali2@gmail.com

▪︎ التاريخ/28 سبتمبر 2026م

Comments (0)
Add Comment